سيد محمد طنطاوي

239

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وفي هذه الجملة الكريمة تطييب لقلب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ولقلوب أصحابه . حيث بين - سبحانه - لهم أنه ناصرهم ، وأنه كاشف لهم أمر أعدائهم متى أطاعوا أوامره ، واجتنبوا نواهيه ، ولم يجعلوا من أولئك الأعداء الذين يضمرون لهم كل شر وضغينة بطانة لهم . ثم ذكر - سبحانه - لونا آخر من ألوان بغض هؤلاء الكافرين للمؤمنين فقال - سبحانه - : * ( إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها ) * والمس : أصله الجس باليد . أطلق على كل ما يصل إلى الشيء على سبيل التشبيه ، فيقال : فلان مسه النصب أو التعب ، أي أصابه . والمراد بالحسنة هنا منافع الدنيا على اختلاف ألوانها ، كصحة البدن ، وحصول النصر ، ووجود الألفة والمحبة بين المؤمنين . أي إن تمسسكم - أيها المؤمنون - حسنة كنصركم على أعدائكم . وإصلاح ذات بينكم ، * ( تَسُؤْهُمْ ) * أي تحزنهم وتملأ قلوبهم غيظا عليكم ، * ( وإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ ) * كنزول مصيبة بكم ، يفرحوا بها . أي يبتهجوا بها ، وتستطار ألبابهم سرورا وحبورا بسبب ما نزل بكم من مكاره . فالجملة الكريمة بيان لفرط عداوة هؤلاء المنافقين للمؤمنين ، حيث يحسدونهم على ما ينالهم من خير ، ويشمتون بهم عندما ينزل بهم شر . وعبر في جانب الحسنة بالمس ، وفي جانب السيئة بالإصابة ، للإشارة إلى تمكن الأحقاد من قلوبهم ، بحيث إن أي حسنة حتى ولو كان مسها للمؤمنين خفيفا وليس غامرا عاما فإن هؤلاء المنافقين يحزنون لذلك ، لأنهم يستكثرون كل خير للمؤمنين حتى ولو كان هذا الخير ضئيلا . أما بالنسبة لما يصيب المؤمنين من مكاره ، فإن هؤلاء المنافقين لا يفرحون بالمصيبة التي تمس المؤمنين مسا خفيفا ، فإنها لا تشفى غيظهم وحقدهم ، وإنما يفرحون بالمصائب الشديدة التي تؤذى المؤمنين في دينهم ودنياهم أذى شديدا ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بإرشاد المؤمنين إلى الدواء الذي يتقون به كيد أعدائهم وأعدائه فقال - تعالى - : * ( وإِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّه بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) * . وقوله : * ( تَصْبِرُوا ) * من الصبر وهو حبس النفس على ما يقتضيه الشرع والعقل . وقوله : * ( وتَتَّقُوا ) * من التقوى وهي صيانة الإنسان نفسه عن محارم اللَّه . وقوله : * ( كَيْدُهُمْ ) * من الكيد وهو أن يحتال الشخص ليوقع غيره في مكروه . والمعنى : * ( وإِنْ تَصْبِرُوا ) * أيها المؤمنون على طاعة اللَّه ، فتضبطوا أنفسكم ولا تنساقوا في محبة من لا يستحق المحبة ، وتتحملوا بعزيمة صادقة مشاق التكاليف التي كلفكم اللَّه بها ، وتقاوموا